محمد حسين علي الصغير
158
الصوت اللغوى في القرآن
الفصاحة ، ولكنها مغالطة واضحة « ولو كان ذلك لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته ، لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد ، وأهله يتقاربون فيه ، أو يضربون فيه بسهم » « 1 » . الرابع : إن الشعر إنما يقصد إليه بذاته فينظم مع إرادة ذلك ، ولا يتفق اتفاقا أن يقول أحدهم كلاما فيأتي موزونا ، فالشعر « إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التي تعمد وتسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوي فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه ، وما يتفق من كل واحد ، فليس بشعر فلا يسمى صاحبه شاعرا ، وإلا لكان الناس كلهم شعراء ، لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر وينتظم بانتظامه » « 2 » . سقنا هذا في حيثية تنزيه القرآن عن سمة الشعر وصفته ، لأنه قد وجد فيه ما وافق شعرا موزونا ، وما يدريك فلعل القرآن يريد أن يقول للعرب : إن هذا الشعر الذي تتفاخرون به ، نحن نحيطكم علما بأوزانه على سبيل الأمثلة لتعتبروا بسوقها سياق القرآن في صدقه وأمانته ، ولا غرابة أن يكون القرآن يريد أن ينحو الشاعر بشعره منحى الحق والصرامة والفضيلة والصدق ، ومع هذا وذاك فما ورد من الموزون فيه جار على سنن العرب في كلامها ، إذ قد يتفق الموزون ضمن المنشور ، بلا إرادة للموزون ، ولا تغيير للمنظوم . فقد حكى الزركشي ( ت : 794 ه ) أن إعرابيا سمع قارئا يقرأ : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) « 3 » . فقال كسرت ، إنما قال : يا أيها الناس اتقوا ربكم * زلزلة الساعة شيء عظيم فقيل له : هذا القرآن ، وليس الشعر « 4 » . فاعتقده لأول مرة شعرا فحذف « أن » ليستقيم الوزن فيما عنده . ولو قلنا بالإيقاع الصوتي ، وفسرنا الورود البياني لهذا المظهر الموزون بمجانسة
--> ( 1 ) الباقلاني ، إعجاز القرآن : 82 . ( 2 ) المصدر نفسه : 83 . ( 3 ) الحج : 1 . ( 4 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 116 .